fbpx

الذاكرة الحلمية المشتركة

الأحلام ذاك العالم الغريب المليء بالأسرار والعجائب واللامتناهي في حدود زمانه ومكانه، هذا العالم الممتد في القدم وجوده ارتبط بالإنسان وقد لا نعرف كيف كان يحلم البشر قديما لكنه كان يحلم ولا نعرف كيف كان يتعامل مع الأحلام لقلة المصادر المتوفرة لدينا .

فعلى مر العصور شكلت  الأحلام جزءا مهما في حياة الإنسان وتشكلت بما يسمى الذاكرة الحلمية المشتركة لدى البشرية، وتطورت عبر العصور، رغم أن الحلم لغة إنسانية عالمية ذاتية إلى أبعد حدود، وهي لغة باطنية نتعامل معها ونفك رموزها انطلاقا من معارفنا. هذه الرموز نجدها تتكرر لدى البشر على مر العصور ولدى سائرهم رغم اختلاف الأزمنة والأمكنة وكأنه عالم آخر يعيشه الإنسان في اللاوعي بقاموس ولغة بشرية موحدة ومشتركة.

وإذا تأملنا في قاموس العقل الباطن ( الذاكرة الحلمية المشتركة ) نجدها متجذرة في القدم وفيها رموز من بدايات البشر كأن يحلم بالجبال الشاهقة والأراضي المنبسطة رغم عدم إدراكهم لها في  فترات الوعي، هذه الصور المستمدة من الطبيعة تأصلت في اللاوعي كنماذج بدائية أساسية . ويمكننا أن نعدد الكثير من هذه النماذج البدئية – الرموز الطبيعية الأولى، وبخاصة تلك التي تعامل معها الإنسان القديم بشكل مباشر، كالجبل والسهل والصخر والشجر وأنواع الحيوانات والكهف والنار والشمس والقمر والنجوم، والأب والأم، وأعضاء الجسم الإنساني، والبحر والريح والمطر والسحاب والفيضان والجفاف والثمار، والألوان المختلفة كالزرقة والخضرة والسواد والبياض … إلخ. إن هذا الكم غير المنتهي يشكل اللغة الأولى التي تواصل معها الإنسان القديم عبر الشكل الواقعي كما عبر الرمز الحلمي.

ومن عصور سحيقة اكتسبت بعض أدواتنا معان رمزية في أحلامنا ، كالعصا والسهم والحربة و… وترجع كافة هذه الرموز إلى عشرات آلاف السنين، ويمكننا أن نلاحظ تطور بعضها مع بدايات عصر الزراعة والتدجين والاستقرار، حيث دخلت أدوات جديدة على حياتنا اليومية وبالتالي إلى مفردات الذاكرة الحلمية المشتركة . ونعدد منها السور والبيت والحصن  وأدوات الزراعة ، وأسلحة القتال وأدوات البيت كالمقعد……..  إلخ. وخلال مراحل تالية، ظهرت مع تطور المدنيّات والممالك تعقيدات حياتية سرعان ما تطابقت مع نماذج بيئية في الذاكرة الحلمية المشتركة  مما أدى إلى استمرار تفتح وتوسع اللغة الحلمية كما والإبداعات النفسية-العقلية على حد سواء، ونذكر من هذه الرموز المراكب والصواري والأشرعة والقوافل والجيوش والأبنية الضخمة والمعبدة والسلالم والملاعب والأسواق المكتظة ………..إلخ.وصولا الى عصرنا الحالي وما أنتج من وسائل لا حصر لها من المنتوجات والاختراعات شملت جميع نواحي الحياة الخاصة والعامة للبشر وأغنت بدورها قاموس الذاكرة الحلمية المشتركة للبشرية.

لقد ارتبط تفسير الأحلام القديم في معظم الحضارات بالفنون التنجيمية الأخرى. وكان مفسّر الأحلام، الأسير للشكل الخاص بالطرق الأخرى في التنبؤ مثل قراءة الكبد الحيواني أو الزيت أو حركات الطيور أو مواقع النجوم إلخ، يقوم بمماثلة المعطيات الحلمية بمعطيات العلوم التنجيمية الأخرى. وهكذا كان العراف البابلي يحاول دائمًا مكاملة الرمز الحلمي مهما كان غريبًا ومدهشًا في أطر العالم الموضوعي. وينطبق هذا الأمر إلى حد كبير على الكاهن المصري أو على الحكيم الصيني.

ومن جهة أخرى، عنيت أمم كثيرة نذكر منها الهندية والفارسية والبابلية والمصرية والكمبودية والصينية بأوقات الأحلام. ومن المدهش الاتفاق فيما بينها على أن أحلام الفجر تكون الأقرب إلى التحقق. ويرى الفرس أن ثمة أيامًا معينة من الشهر القمري هي الأنسب لرؤية الحلم الحقيقي. ولكل يوم من أيام الشهر عندهم تأثيره على التفسير وعلى تحقق الحلم. أما في الصين، فكان على المفسِّر أن يأخذ بعين الاعتبار السنة والفصل ووضع الأرض والسماء و القمر والشمس والنجوم بعين الاعتبار من أجل تفسير الحلم.

إن تفاسير الأحلام في مختلف الحضارات القديمة، رغم خصوصياتها وتباعدها الزمني والجغرافي، تلتقي في أنماط عدة كما لاحظنا. ولعل الحكايات الشعبية التي لاتزال تتكرر حتى أيامنا هذه حول بعض الأحلام تعبر خير تعبير عن هذه النقطة. فالحكايات الشعبية اليابانية مثلاً تورد قصص شراء حلم الآخرين المتكررة في أكثر من ثقافة شعبية عالمية. ومنها أن أحدهم حكى لصديقه أنه رأى في الحلم موقع كنز، فعرض عليه صديقه شراء الكنز منه فقبل، وكان أن استطاع الشاري الوصول إلى مكان الكنز والحصول عليه! ولايخفى علينا ما في هذه القصة من عبرة وجوب التمسك بأحلامنا وطاقاتنا وعدم التفريط بالمواهب الممنوحة لنا.

لأن أحلامنا ملك لنا ولا أحد يستطيع مصادرتها منا.

بقلم : محمد أزهار النحلي

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close
Close

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker